الشريط الأخباري :

ارشادات من الدفاع المدني خلال المنخفض الجوي

ولي العهد يشهد توقيع مذكرتي تفاهم لمؤسسة ولي العهد في البحرين

حكايات كورية من التراث الشعبي

 

 

يتناول هذا الكتاب حكايات من التراث الشعبي الكوري تتوزع بين الأساطير ، والحكايات الخرافية ، والحكايات الشعبية .. وهي بمجموعها تمثل إبداعاً جمعياً يعبّر عن فكر الإنسان في تأمله في الحياة والكون ، في زمان ومكان خاصين . ولعل ما يميّز هذا الكتاب الذي ترجمه حسن عبده ، أنه يتضمن - بالإضافة إلى نصوص الحكايات - مقدمة ودراسة معمقة لحكاياته كتب هذه الدراسة د. محمود عبد الغفار ، أستاذ الأدب المقارن بجامعة القاهرة . والكتاب الذي بين أيدينا صادر عن( دار صفصافة بمصر عام 2016)

وتحت عنوان ( في البدء كانت الأسطورة ) يدعو د. عبد الغفار في ضوء المعاني السابقة كلها  القارئ لتأمل الحكايات الواردة في هذا الكتاب ، ووضعها باستمرار في سياق النتاج الفني الذي يجسد محاولة الكوريين الأوائل في تأمل الكون وما فيه . ويمكن هنا التمثيل بتلك الحكاية البسيطة المعبرة ؛ حكاية تلك الفتاة التي طرحت أمامها أكوام من الحبوب المختلفة المختلط بعضها ببعض ، ثم طُلب منها أن تنظم هذه الأكوام بأن تفصل كل نوع من الحبوب عن النوع الآخر وفي مدة وجيزة . فلما شعرت بعبء المهمة أعانتها الطيور في أداء مهمتها ، فلما طلع الصباح وجاء المارد أو الإنسان الشرير ليرى ما فعلته الفتاة ، فإذا به يرى الفوضى وقد أصبحت نظاماً . وهكذا يفعل الأدب الشعبي ، يحول الفوضى إلى نظام  .

نحن أمام عدد من النصوص التي يتداخل فيها الأسطوري مع الحكائي في محاولات للتعرف على الكون والوجود والذات ؛ حاضرها تلك الذات ومستقبلها فيه . وتختص الأسطورة بالظواهر الكونية ، ثم تحدد معناها لتعني الحكاية التي تختص بأفعال الآلهة ومغامراتها

    إن الحكاية الخرافية تحقق للإنسان ما يفتقر إليه في واقعه المعيش من محبة وعدالة . إنها مع تحررها من الحوادث والتجارب الفردية ، تقدم بأساليب خاصة الجواب الشافي عما يدور بخلد الشعب بشأن مصيره . حتى لكأنها تود أن تخبره كيف يعيش متخففاً من كل حمل ، متفائلاً مغامراً بفضل إيمانه بتلك القوى السحرية في عالم الغموض الذي يستظله

الحكاية الشعبية قصة ينسجها الخيال الشعبي حول حدث مهم ، مستمتعاً بروايتها والاستماع إليها جيلاً بعد جيل عن طريق الرواية الشفوية . وذلك الحدث هو في العادة ما يهم الشعب بوصفه وحدة واحدة ، سواء في نطاقه الضيق كالأسرة والقبيلة ، أو في النطاق الواسع الذي يشمل الشعب بأسره .

كما يلفت نظرنا  إلى عمق العلاقة التاريخية بين العرب وكوريا . فقد ورد لفظ شيلا في كتاب المسالك والممالك لابن خرداذبة حيث قال : (( وفي أواخر الصين بإزاء قانصو جبالٌ كثيرة وملوك كثيرة وهي بلاد الشيلا ، فيها الذهب الكثير ومن دخلها من المسلمين استوطنها لطيبها ، ولا يعلم ما بعدها )) . فعلى المستوى التاريخي ، تذكر المصادر التاريخية أن قائد الجيش (( كوسيان جي )) هو أول كوري اتصل بالعرب ، فوالده (( كو ساغاي )) كان قائد الجيش الذي استسلم لامبراطورية تانج الصينية بعد سقوط مملكة كوكوريو ، وصار ابنه ( كوسان جي ) قائداً في امبراطورية تانج وقاد حملة على  جنود أبي مسلم الخرساني في شرق آسيا عام 751م ،  ولكنه انهزم وصارت آسيا الوسطى منطقة إسلامية . أما في الأساطير الكورية فهناك إشارات إلى اتصال العرب بكوريا منذ قرون ، وهو ما عبرت عنه إحدى الأغنيات القديمة التي حكت عن التاجر العربي الذي قدم إلى كوريا وتزوج منها وعاش فيها .

    وكي تتضح السياقات التاريخية والفكرية الثقافية وغيرها من السياقات التي انتجت هذه الحكايات الكورية يقوم صاحب الدراسة برصد إجمالي لتاريخ شبه الجزيرة الكورية ، حيث يوضح طبيعة هذه الجزيرة التي عرفت بانعزالها رغبة في العيش بعيداً عن نزاعات العالم ، لكن هذا لم يتحقق ،  إذ لم يهنأ الشعب الكوري بالحرية بعد التخلص من الاحتلال ، حيث وجد نفسه طرفاً في الصراع الدائر بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفييتي السابق ، وهو الصراع الذي خلف تقسيم شبه الجزيرة الكورية إلى شطرين شمالي وجنوبي ، وبعده وجد الشطر الجنوبي نفسه يهتدي بخطوات أمريكا وأوروبا

 

ترجمها : حسن عبده                         قراءَة وتعليق : د . عباس عبد الحليم  عباس

استعادت كوريا استقلالها في الخامس عشر من أغسطس عام 1945م . إلا أنه وقبل أن تتمتع بنشوة ذلك الاستقلال ، تعرضت شبه الجزيرة الكورية لمأساة التقسيم الوطني . حيث احتلت الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي – اللتان لعبتا دورًا حاسمًا في هزيمة القوات اليابانية كعضوين من أعضاء قوات الحلفاء في الحرب العالمية الثانية – أراضي شبه الجزيرة الكورية ضمن جهودهما لنزع سلاح الجيش الياباني . وبعد ذلك خططت قوات الحلفاء لوضع جنوب وشمال كوريا تحت وصاية الأمم المتحدة ، بناءً على القرار الذي اتخذه مؤتمر الوزراء الثلاثة الذي عُقد في العاصمة السوفيتية موسكو . وقد أدى ذلك إلى انقسام سياسي في الدولة الكورية ، وأصبح هناك بالتالي كوريا الشمالية وكوريا الجنوبية .

لقد تركت الحرب بين شطري البلد الواحد جرحًا عميقًا في شبه الجزيرة الكورية. و عمقت حالة الفقدان بين جنوب كوريا وشمالها . ولا زالت حالة المواجهه والتوتر تطل برأسها بين الشطرين ، ورغم مرور ستة عقود على تقسيم كوريا ، فما تزال العديد من الصور المؤلمة مختزنة بذاكرة الأجداد الذين عاصروا فوضى الحرب وبشاعتها وما سببته من خراب وتدمير وتفرقة بين أفراد الأسرة الواحدة ، بحيث يصعب نسيانها  .

بعد الدراسة المستفيضه التي أضاءَت للقارئ جوانب مهمة من شبه الجزيرة الكورية ، ينتقل بنا القسم الثاني من الكتاب إلى نصوص الحكايات الشعبية نفسها ، وهي إحدى وثلاثون حكاية ، تنوعت عناوينها بين ما يشير الى الحيوانات أو الناس أو الأماكن أو الأشياء . كانت حكاية ( الضفدع العنيد ) أولهما بينما كانت حكاية ( الأرنب والسلحفاة ) آخرها .

والملاحظ على هذه الحكايات الشعبية أنها تحاول أن تقدم تفسيراً لبعض ظواهر الكون كما نجد في حكاية ( الضفدع العنيد ) الذي يفعل عكس ما تطلب منه أمه على الدوام ، وحينما توفيت الأم دفنها في مكان غير مناسب قرب النهر ، لكن نزول المطر وجريان النهر بشدة جرفا قبرها ، فبدأ بالنقيق حزناً ولوماً لنفسه ، وبات يكرر ذلك كلما نزل المطر كل عام .

وبعض الحكايات تقودنا إلى أجواء ( ألف ليلة وليلة ) السحرية ، حيث تتدخل المخيلة الجمعية بتحقيق إحدى الوظائف الإرشادية في الحكاية ، حيث توضح حكاية ( الهدايا الثلاث ) ما حدث للأخ الأصغر من ظلم على يد أخويه اللذين يكبرانه ، وقد طرداه من القرية لفقره ، لكن أعمال الخير والمعروف التي كان الأصغر يصنعها تكون سبباً في حدوث خرق لنواميس الطبيعة ، فبعد أن قرر العودة إلى بلاده وليس معه سوى ( حصير ، وملعقة ، وعصاتين ) هدية من الناسك ومضى الولد في طريق العودة حتى أتى عليه الليل وأقبل الظلام ، فقرر أن يبسط الحصير وينام على الأرض بجانب الجبل . وعندما استيقظ في الصباح بعد نوم عميق أصابته دهشة عارمة إذ وجد نفسه ينام على ريش من النعام في قصر عظيم ، ومدّ يده يتحسس الملعقة  فوجد أشهى الأطعمة التي يحلم بها تنزل من المعلقة ، فكلما فكر في أي نوع وجده يأتي من الملعقة ! فأكل وشرب وأمسك بالعصاتين يدقّ بهما على المائدة ، فظهر له الخدم والراقصون والراقصات يخدمونه ويطيعون كل أوامره .

وأراد أن يمتحن أخويه فلبس زي الفقراء وعاد لهم ، لكنهما ظنّا  أنه ما زال فقيراً فطرداه ، فغادر إلى قصره ، وسار ذكره في القرية ، وذكر ثرائه ، فقرر الأخوان أن يصنعا كما صنع من خير فتبرعا بأموالهما ، لكنهما لم يجدا هدية كما وجد هو ، تجعلهما ثريين ، لكن شقيقهم الأصغر لم يطردهما بل سامحهما وعاشوا معاً .

ولا شك أن هذه الحكايات في تنوع موضوعاتها واختلاف مغزى كل منها ، تظلّ مستودعاً شعبياً للحكمة والموعظة التي تستمر حياتها من جيل إلى جيل ، كما تظلّ مصدراً فنياً للمتعة والدهشة الخالدة عبر الزمان والمكان؛ لأن الحكاية الشعبية بحد ذاتها خطاب حيّ ، انتجته القريحة الجمعية الشعبية ليبقى متداولاً ما بقيت الحياة . وهذه ميزة يمتاز بها أدب الحكاية الشعبية على الأدب الرسمي الذي ينشأ في ظروف حياتية معينة ، قد لا يتكرر لدى الأجيال اللاحقة ... وحسب هذا الكتاب أن يلفت النظر إلى نمط من الحكايات الشعبية يجدر بنا الاطلاع عليه ، ويمكن في هذا الإطار العودة الى بقية النصوص في الكتاب الأصلي من ناحية ، وفي الوقت نفسه تشيد بالجهد الواضح في نقلها إلى العربية من قبل المترجم (حسن عبده) الذي عاين الثقافة الكورية وعايشها عن قرب .